الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

257

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فعل القول إذا وقع في سياق المحاورة ، لأن جملة سَخِرُوا تتضمن أقوالا تنبني عن سخريتهم أو تبين عن كلام في نفوسهم . وجمع الضمير في قوله : مِنَّا يشير إلى أنهم يسخرون منه في عمل السفينة ومن الذين آمنوا به إذ كانوا حوله واثقين بأنه يعمل عملا عظيما ، وكذلك جمعه في قوله : فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ . والسخرية : الاستهزاء ، وهو تعجب باحتقار واستحماق . وتقدم عند قوله تعالى : فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ في أول سورة الأنعام [ 10 ] ، وفعلها يتعدى ب ( من ) . وسخريتهم منه حمل فعله على العبث بناء على اعتقادهم أن ما يصنعه لا يأتي بتصديق مدعاه . وسخرية نوح - عليه السلام - والمؤمنين ، من الكافرين من سفه عقولهم وجهلهم باللّه وصفاته . فالسخريتان مقترنتان في الزمن . وبذلك يتضح وجه التشبيه في قوله : كَما تَسْخَرُونَ فهو تشبيه في السبب الباعث على السخرية ، وإن كان بين السببين بون . ويجوز أن تجعل كاف التشبيه مفيدة معنى التعليل كالتي في قوله تعالى : وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ [ البقرة : 198 ] فيفيد التفاوت بين السخريتين ، لأن السخرية المعللة أحق من الأخرى ، فالكفار سخروا من نوح - عليه السلام - لعمل يجهلون غايته ، ونوح - عليه السّلام - وأتباعه سخروا من الكفار لعلمهم بأنهم جاهلون في غرور ، كما دل عليه قوله : فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ فهو تفريع على جملة فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ أي سيظهر من هو الأحق بأن يسخر منه . وفي إسناد ( العلم ) إلى ضمير المخاطبين دون الضمير المشارك بأن يقال : فسوف نعلم ، إيماء إلى أن المخاطبين هم الأحق بعلم ذلك . وهذا يفيد أدبا شريفا بأن الواثق بأنه على الحق لا يزعزع ثقته مقابلة السفهاء أعماله النافعة بالسخرية ، وأن عليه وعلى أتباعه أن يسخروا من الساخرين . والخزي : الإهانة ، وقد تقدم عند قوله تعالى : رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ في آخر سورة آل عمران [ 192 ] .